الغزالي

3

إحياء علوم الدين

الجزء السادس [ تتمة ربع العادات ] [ تتمة كتاب آداب الألفة ] الباب الثالث في حق المسلم والرحم والجوار والمال وكيفية المعاشرة مع من يدلي بهذه الأسباب اعلم أن الإنسان إما أن يكون وحده ، أو مع غيره وإذا تعذر عيش الإنسان إلا بمخالطة من هو من جنسه ، لم يكن له بد من تعلم آداب المخالطة . وكل مخالط ففي مخالطته أدب والأدب على قدر حقه ، وحقه على قدر رابطته التي بها وقعت المخالطة . والرابطة إما القرابة وهي أخصها ، أو أخوة الإسلام . وهي أعمها ، وينطوى في معنى الأخوة الصداقة والصحبة وإما الجوار ، وإما صحبة السفر والمكتب والدرس ، وإما الصداقة أو الأخوة ولكل واحد من هذه الروابط درجات ، فالقرابة لها حق ، ولكن حق الرحم المحرم آكد . وللمحرم حق . ولكن حق الوالدين آكد . وكذلك حق الجار ، ولكن يختلف بحسب قربه من الدار وبعده ، ويظهر التفاوت عند النسبة ، حتى أن البلدي في بلاد الغربة يجرى مجرى القريب في الوطن ، لاختصاصه بحق الجوار في البلد . وكذلك حق المسلم يتأكد بتأكد المعرفة وللمعارف درجات ، فليس حق الذي عرف بالمشاهدة كحق الذي عرف بالسماع ، بل آكد منه . والمعرفة بعد وقوعها تتأكد بالاختلاط . وكذلك الصحبة تتفاوت درجاتها ، فحق الصحبة في الدرس والمكتب آكد من حق صحبة السفر وكذلك الصداقة تتفاوت ، فإنها إذا قويت صارت أخوة ، فإن ازدادت صارت محبة ، فإن ازدادت صارت خلة ، والخليل أقرب من الحبيب ، فالمحبة ما تتمكن من حبة القلب ، والخلة ما تتخلل سر القلب ، فكل خليل حبيب ، وليس كل حبيب خليلا . وتفاوت درجات الصداقة لا يخفى بحكم المشاهدة والتجربة . فأما كون الخلة فوق الأخوة ، فمعناه أن لفظ الخلة عبارة عن حالة هي أتم من الأخوة . وتعرفه من قوله صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] « لو كنت متّخذا خليلا لاتّخذت أبا بكر خليلا ولكن صاحبكم خليل الله » إذ الخليل هو الذي يتخلل الحب جميع أجزاء قلبه ظاهرا وباطنا ، ويستوعبه . ولم يستوعب قلبه عليه السلام سوى حب الله